كازاخستان تقود الدعوة لشراكة اقتصادية ونفطية بعيدة الأمد في آسيا الوسطى

من: غريغوري جليسون
13/2/2002

أمام كازاخستان فرصة كبيرة لتصبح في مقدمة الدول المصدرة للنفط خلال المرحلة القادمة، وحتى تحقق ذلك يجب عليها أن تعيد النظر في بنيتها الاقتصادية. وفي حال نجاحها ستلعب كازاخستان دورا مركزيا في التجارة البينية بدول المنطقة. ويتخوف الخبراء من اعتماد النمو الاقتصادي لكازاخستان على تصدير النفط فقط. وحسب ما أعلنته وزارة الاقتصاد والتجارة فقد شهد الاقتصاد الكازاخي نموا بنسبة 13% عام 2001 وتعتبر هذه النسبة هي الأعلى في اقتصاديات الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي السابق ، كما فاقت هذه النسبة توقعات الخبراء والمحللين الاقتصاديين.

وكجارتها الشمالية روسيا فإن الاقتصاد الكازاخي توسع في السنوات الأخيرة نتيجة ازدياد طلب دول العالم على النفط والمعادن. وقد أشارت المؤسسات المالية الدولية إلى أن قطاع التجارة قد نما بشكل كبير ولكن لم تشهد القطاعات الصناعية وقطاع الخدمات نموا متوازيا في وقت يسود فيه التفاؤل بتحسن مستوى دخل الفرد.

كما أدى تطوير إدارة الضرائب وإدارة الخدمات العامة في السنوات القليلة الماضية إلى تعزيز الوضع المالي لكازاخستان والتي حققت في عام 2000 فائضا ماليا في موازنتها وقامت بخطوة غير عادية لتسديد جزءا من مديونيتها الدولية بدرجة تزيد عما كان متوقعا. وإلى جانب هذا التطور الإيجابي فقد تلقت حكومة كازاخستان عدة إشارات تحذيرية إذ يتخوف بعض المراقبون الاقتصاديون من استمرار اعتماد كازاخستان على تصدير المواد الخام والنفط مما يجعل اقتصاد البلاد تحت رحمة تقلبات السوق العالمية.

ومن شأن استمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام فقط أن يؤدي إلى ما يعرف (المرض الهولندي) والذي يجعل الدول الغنية بالنفط تعتمد كليا على احتياجات الدول الأجنبية للنفط اللازم لنموها الصناعي، ولتجد هذه الدول نفسها أمام عدم قدرتها على تحقيق التوازن المطلوب ومنافسة أسعار سلع منتجاتها الأخرى مع منتجات الدول المتقدمة صناعيا.

وبموجب السيناريو الذي يوفره (المرض الهولندي) فإن قطاع الطاقة المتطور سيؤثر حتما على مختلف فروع الاقتصاد، بشقيه الاقتصادي والسياسي حيث من المؤكد أن يضرب مثل هذا المرض دولة مثل كازاخستان. وتقود صناعة النفط عملية النمو الاقتصادي للعديد من الدول فقد بلغ حجم الإنتاج النفطي لكازاخستان أكثر من 800 ألف برميل من النفط الخام يوميا عام 2001 وتصل نسبة الإنتاج الممخصص للتصدير 70 في المئة من الإجمالي المذكور. وستبدأ حقول النفط الغنية في كازاخستان إنتاجها في السنوات القليلة القادمة، إلى جانب حقل كازاخان النفطي الضخم والذي يعتبر من أغنى الحقول النفطية المكتشفة في العالم خلال الأربعين سنة القادمة.

وتتوقع المصادر المختصة أن يصل إنتاج كازاخستان النفطي عام 2010 إلى ثلاثة ونصف مليون برميل نفط يوميا وستخصص أكثر من تسعين بالمئة منه للتصدير. وتشكل صادرات النفط والمعادن أكثر من ستين بالمئة من مجموع صادرات كازاخستان واستنادا إلى تطوير مشاريع النفط فمن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 80 في المئة.

وفي الوقت الذي يعتقد فيه المسؤولون الكازاخيون أن بلادهم بمنأى عن الخطرالذي يمكن أن تؤدي إليه عملية الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية، حيث اعتمدت الحكومة الكازاخية عدة مقاييس لتحديد أسعار النفط اعتمادا على الدراسات التي تجريها المؤسسة الوطنية التي أسست لهذا الغرض والممولة من عائدات النفط وتقوم خطة الحكومة المالية على فصل موازنة الدولة عن حركة السوق وتقلباته بهدف الحفاظ على رصيد أو احتياطي إستراتيجي للأجيال القادمة. ولتقليل اعتماد الحكومة على عوائد النفط في تمويل المشاريع الخدمية فقد اتجهت لبناء المشاريع التي تدر دخلا يحافظ على ديمومتها.

وقد اتخذت كازاخستان خطوة إضافية لإحداث التوازن في اقتصادها وتحفيز النمو في القطاع الصناعي، حيث أعلن رئيس وزراء كازاخستان الجديد ايمانغالي قاسماجمبتوف أمام البرلمان في أول خطاب له في كانون ثاني الماضي أن أولويات الخطة الاقتصادية ستتركز على إنشاء الصناعات الكيماوية والتحويلية وتطوير البنية التحتية وقطاع الاتصالات وتطوير القطاع المالي والمصرفي.

وتفيد التقارير أن الوضع المالي الكازاخي قد شهد استقرارا ويتحسن خطوة خطوة، بالرغم من أن ما هو مهم في الخطة الاقتصادية الكازاخية يتحدد في تجنب الاعتماد على النفط فقط والتوجه نحو التجارة البينية مع الدول المجاورة. وقد اعتبر رئيس وزراء كازاخستان أن نجاح بلاده في هذا المجال يعتبر أمرا حيويا وأحد أهداف حكومته المستقبلية. وتضيف المصادر كذلك أن إقامة المجموعة الإقتصادية التي تعرف بإسم (إيف رازس) - مشتقة من اللغة الروسية- هي من بنات أفكار الرئيس نور سلطان نازارباييف. وتضم المجموعة كل من دول بيلاروسيا و قيرغيزيا وكازاخستان وطاجيكستان وروسيا وخرجت إلى حيز الوجود عام 2000 وبدأت بالعمل في عام 2001.

وتسعى هذه الدول إلى إنشاء اتحاد اقتصاد دول وسط آسيا وإيجاد منطقة تجارة حرة بينها وتحرير التجارة البينية وإعفاءها من الجمارك لتشكل قوة تحل محل الاتحاد السوفييتي المنهار.

ويعتبر غريغوري ريبوتا الأمين العام لهذا التجمع والذي كان سابقا أحد مسؤولي الأمن الروس أن إلغاء السوق الجمركية بين هذه الدول وتحرير التجارة وتسهيل انتقال الطاقة هو من أهم أهداف هذه المنظمة أو التجمع الاقتصادي المذكور.

وبالإضافة إلى دعمها لمجموعة (إيف رازس)، تسعى كازاخستان للدعوة إلى أشكال أخرى من التعاون والتنسيق الاقتصادي. وتقول المصادر المطلعة أن كازاخستان تدعم مقترحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتي أعلنها عام 2002 لتشكيل اتحاد الدول المنتجة للغاز، بحيث يلعب هذا الاتحاد دورا مهما في تعزيز العلاقة بين هذه الدول أولا، ويقوم بنفس الدور الذي تقوم به الدول المنتجة للنفط في الخليج العربي وإيران والمنضوية تحت لواء الأوبك.

وقد أطلق الرئيس نازارباييف أيضا فكرة الشراكة لدول وسط آسيا والتي تقوم على توثيق العلاقات بين دول وسط آسيا الأربعة والتي بدأ العمل بها منذ عام 94 وتعتمد على زيادة التبادل التجاري بينها واعتماد السياسات الجمركية الموحدة. بالإضافة إلى اتفاقية الشراكة التي وقعتها كازاخستان مع الولايات المتحدة والتي تقوم على تطوير حقول النفط في باكو وتبليسي وسيهان ومد انبوب للنفط الخام يربط حقول كازاخستان مع الأسواق العالمية عبر تركيا.

ويعول المراقبون كثيرا على أن يسهم انتهاء الحرب الأفغانية في زيادة التعاون الدبلوماسي والتجاري بين دول وسط آسيا ويقوي من فرص نجاحهم في وقت كانت الحرب الباردة قد عزلت السوق الأوروبية عن أسواق وسط آسيا وباعدت بينهما إلى جانب الاختلاف الثقافي، ومن الممكن الآن الأمل بإمكانية قيام تعاون استثنائي بين دول هذه المنطقة وبقية دول العالم. وإذا نجحت كازاخستان في تحقيق أهدافها فإن النفط سيعتبر من أكثر المصادر التي يمكن أن تعزز التعاون الدولي في السنوات القادمة.

تنويه: غريغوري جليسون أستاذ السياسة الدولية في جامعة نيومكسيكو

Eurasianet.org جميع الحقوق محفوظة لشبكة أوراسيا ©