من المرجح سيطرة برنامج
صندوق النقد الدولي على تركيا بعد الانتخابات
معلق اوراسيا : ميفلوت كاتيك
25/7/2002
بعد دفعه للقيام بمهام منصبه في
برلمان مضجر، قدم رئيس الوزراء التركي بولنت
أجاويد في 25 يوليو لمحة عن أحوال الأسواق المالية
في بلاده وحذر أن الانتخابات المبكرة والتي صادق
عليها هذا الصيف سوف تضر بالاقتصاد التركي. وتأتي
هذه الانتخابات التركية التي ستجرى في 3 نوفمبر
كسلطة تشريعية تسير لتجتاز الإصلاحات لدعم طلب
تركيا الانضمام في الاتحاد الأوروبي، كما نبه
أجاويد في حديثه أن هذه الإصلاحات ستكون صعبة جداً
لكي تتحقق من خلال حكومة ستتغير، ومستثمرين قلقين
يعتقدون أن عضوية الاتحاد الأوروبي سوف تدعم
المبيعات والأسواق التركية. ويتساءل المراقبون
فيما إذا كان التزام قرض صندوق النقد الدولي
البالغ 16 مليار دولاراً أمريكياً والذي يعتمد
صرفه أيضاً على الإصلاحات الاقتصادية يستطيع أن
يدوم وسط هذه الضجة السياسية.
وصندوق النقد
الدولي جعل نفسه غير مرهون بالجماعة التي ستحكم
تركيا. فبعد أزمات اقتصادية حادة أدت إلى فقدان
آلاف الوظائف، وهبوط الليرة التركية إلى ما يقارب
50% , فقد وقّع صندوق النقد الدولي اتفاقية مع
الحكومة في فبراير 2001 تتطلب سلسلة من الإصلاحات.
ومن الشواهد على هذه الإصلاحات أن الاقتصاد
والليرة التركية بدأتا تتعافيان. لكن أزمة السياسة
الحالية قد وضعت مستقبل هذا البرنامج في دائرة
الشك , ليس أقلها أنها قد تنتج حكومة بدون وزير
الاقتصاد المؤثر كمال ديرفيز. وأجاويد الذي وافق
على مضض على الانتخابات المبكرة بعد تهديد وزارته
بحل الحكومة, قد وعد أن برنامج الإصلاحات الموجه
من الاتحاد الأوروبي سوف يستمر. والإصلاحات
المرتبطة بصندوق النقد الدولي والتي تشمل خصخصة
قطاع الصناعة، ومعايير محاربة الفساد تدعمان
البنود المطروحة من قبل الاتحاد الأوروبي. لكن إذا
دخلت تركيا في صدع سياسي في اقتصاد غير مستقر في
عالم متقلب فان هذه الإصلاحات سوف تأخذ قدراً
كبيراً من التضحيات من الشعب. وعلى الحكومة
الجديدة مواجهة مهمة صعبة لغرس مبادئ هذه
الإصلاحات بينما تعمل على ترسيخ وتقوية قاعدتها
السياسية.
ويبدو الاقتصاد
التركي مريضا جاهزاً لتغييرات كبيرة. [ للمزيد
انظر أرشيف اوراسيا] فسعر الفائدة قد وصل إلى 75%
لكن معدلات النمو لا زالت تراوح 3%. بينما لا زالت
الحكومة تهدف تنصيف التضخم السنوي ليصل إلى 35% في
شهر ديسمبر وهو ما يريده صندوق النقد الدولي , فهي
تحتاج معرفة كيف تدير تكاليف الديون المرتفعة وفي
نفس الوقت عليها أن تقنع أصحاب الاستثمار أن أسعار
عملتها سوف تتحسن. وقد وقعت الدولة في عجز في
الميزانية وقتل للقوى المصنعة عام 2001, وقد قامت
الحكومة التركية بفك ارتباط البنك المركزي من
تقلبات الارتفاع والانخفاض السياسي عام 2001 لكن
الحكومة الجديدة قد تعيد تأكيد دوره في دعم ورعاية
عملية توجيه السياسة المالية.
فثبات ديرفيز
وصندوق النقد الدولي أديا إلى دعم ثقة المستثمرين
منذ شتاء عام 2001. لكن هذه الثقة قد تتلاشى بعد
الانتخابات. وتقرر تقديرات فتش مدى ثبات العملة
التركية دولياً على المدى الطويل في 1 يوليو.
ففي تقريرها
الأخير، أفادت تقديرات فتش أن الحكومة قد لا تواجه
مشكلات دفع المديونية في المستقبل القريب. لكنها
في الوقت نفسه تحذر أن الأمور قد تتغير إن لم ينحل
المأزق السياسي بعد الانتخابات المتوقعة. وكذلك
حذر وزير الاقتصاد ديرفيز بعد اجتماع 16 يوليو مع
المدير التنفيذي الأوروبي لصندوق النقد الدولي
ويلي كيكنز ورئيس الدائرة التركي جحا كاهكونين من
أن "المديونية الداخلية بسبب ازدياد أسعار الفائدة
وعدم الاستقرار السياسي يسبب مشكلات". لكنه يدعو
الأمة للسير في طريق الاقتصاد الموسع الذي ينشده
صندوق النقد الدولي. وأن أرقام الموازنة التي
ذكرها وزير المالية سومر اورال في نفس اليوم قد
سجلت أيضا ارتفاعاً في الاحتياطي الأولي والتي قال
عنها أنها تبشر جيدا في الاحتياطي السنوي العام.
ولكن كما أوضح ديفريز نفسه أن عدم اليقين قد يعمل
على تآكل هذا التفاؤل الاقتصادي.
لقد تزامن قرض
صندوق النقد الدولي مع الانشقاق السياسي. فأعضاء
تحالف أجاويد لا يحبذون فكرة تعيين أعضاء مفوضية
مستقلين في تنظيمات الإشراف , بينما فقد بعض
الوزراء وظائفهم بسبب هذا الموضوع. مع بقاء أعمال
الخصخصة تسير في الخط, فان حماس حكومة المستقبل
نحو هذا الموضوع سوف يحدد سرعة وعمق هذه الخصخصة.
إن الدخل الإجمالي من الخصخصة سيدعم الحكومة
الجديدة عن طريق تخفيض الحاجة إلى مديونية أجنبية
مكلفة. وفي خضم اقتصاد عالمي متزعزع فان أصحاب
الاستثمار قد لا ينضمون إلى الشركات التركية
الجديدة المستقلة.وعلى الحكومة أن تديم تأسيس
الجماعات التنظيمية وتوسيع التشريعات على البنوك
المحلية التي تواجه مشكلات في سبيل اقتناص أي حماس
تشعله مراجعات الاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت
نفسه, لا يوجد جماعة سياسية تريد أن تطالب بشدة
أصحاب هذه الأنواع من السياسات، فسياسة شد الأحزمة
تعني ضرائب أعلى وازدياد معدلات عدم التوظيف,
وكلما كثرت الإستراتيجيات الشعبية التي تضعف
الاقتصاد سيؤذي هذا الجماعات السياسية. ونتيجة
لذلك فالجماعات السياسية التي ستسيطر على البلاد
وبعد الانتخابات ستجعل برنامج صندوق النقد الدولي
مصدرًا ضرورياً للحياة ولضخ الأموال للاقتصاد.
ويرجح القادة الجدد إلى انهم سيوقفون تطبيق
الإصلاحات أكثر من إهمالها بالكامل.لكن كم سيدوم
هذا الإيقاف أو هل يستطيع تدمير ما تم إنجازه حتى
الآن، فهو يعتمد على مدى سرعة موافقة قادة السياسة
للعمل معا، وعلى مدى فعاليتهم في إدارة برنامجهم.
يبدو برنامج
صندوق النقد الدولي أكثر ثباتاً من معظم مظاهر
الحياة التركية العامة الأخرى. وحقيقة أن معظم
الأطراف السياسية موافقة على مشروع الحكومة لإجراء
انتخابات مبكرة في 3 نوفمبر يخفف عنها الضغط. وليس
من الضرورة أن جميع الإجراءات الاقتصادية
والسياسية ستؤدي إلى شيء مشابه لما ستعمل به
الأرجنتين, فالاقتصاد التركي والشارع التركي
يعملان بظروف ومعايير سياسية وثقافية مختلفة. لكنه
يوفر أسبابا جيدة لصانعي القرار السياسي
والاقتصادي لكسر العادات القديمة, ولأن معظم
السياسيين الأتراك يظهرون معارضة كبيرة للإصلاحات
الاقتصادية الواضحة, فان صندوق النقد الدولي
سيساعد الحكومة الجديدة لقيادة هذه السياسة.
وفي سياق حديثه
فان تحذيرات أجاويد بدت أنها جهد منه لتوجيه اللوم
إلى فقدانه السلطة, فالثقافة المشتركة التي
تتبناها الدولة , السياسات الاقتصادية والمالية,
والأعمال والمستويات السياسية التي عملت بشكل عفوي
لعقود وجب عليها الاعتراف بحاجتها للتكيف مع
التوجه العالمي في سبيل أن تبقى. ومهما رشحت من
أحداث درامية بعد انتخابات 3 نوفمبر فان أعمال
التذمر على تطبيق الإصلاحات التي يفرضها صندوق
النقد الدولي لعام 2003 ما هي إلاّ واحدة من
الرهانان الأكيدة في مثل هذه الأمة المضطربة.
الكاتب: ميفلوت كاتيك، صحفي ومحلل
من لندن. وهو مراسل سابق في
BBC
وفي
مجموعة اكونوميست.