مشروع لخط أنابيب غاز ونفط عبر أفغانستان قد يكون حلا لإعادة إعمارها ومعارضة موسكو قد تقسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة

12/12/2001
من: إيغور تورباكوف

مع الهزيمة التي لحقت بالطالبان في إطار الحملة الحالية التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان، يحتدم النقاش في هذه الأيام حول بناء خط للأنابيب عبر البلاد الأمر الذي قد يسهل على الغرب تكثيف استفادته من مصادر الطاقة عبر آسيا الوسطى في وقت يشير فيه عدد من المراقبين والخبراء إلى أن الإسراع في مد هذا الخط قد يسرع بدوره من عملية إعادة إعمار البلاد. إلا أن خبراء آخرين يرون بأن تحويل أفغانستان إلى معبر لصادرات الطاقة قد يؤدي إلى ظهور تناقض في مصالح بين القوى الرئيسية في المنطقة.

وكانت تركمنستان، الدولة التي تتمتع بغنى في مصادر الغاز، قد أبرمت حلفا بينها وبين عدد من شركات النفط التي قادتها شركة يونوكال لمد خط لأنابيب النفط عبر أفغانستان في العام 1997، إلى أن المشروع الذي بلغت تكلفته 1.9 مليار دولار قد بدأ بالاصطدام بالعقبات منذ لحظة الإعلان عنه. إلا أن الحلف المذكور عاد لينهار لاحقا في العام 1998 بعد أن انسحبت منه شركة يونوكال في ظل أن العقبة الرئيسة التي وقفت في وجه المشروع كانت سيطرة طالبان على معظم الأراضي الأفغانية واستمرار الحرب الأهلية عبر البلاد.

وتقول مارثا بريل أولكوت الباحثة بشؤون آسيا الوسطى بصندوق كارنيجي في مقابلة مع صحيفة إزفستيا اليومية الصادرة في موسكو بأن مشاريعا ضخمة لمد أنابيب النفط والغاز التي تربط بين المنطقة القوقازية والسوق العالمي الموجود في الخليج العربي قد يكون "الرئة" الوحيدة التي تستطيع أفغانستان التنفس من خلالها.

أما روسيا، فقد تكون أكثر الدول التي تشعر بالقلق من جراء مشاريع أنابيب للنفط والغاز عبر أفغانستان بعد أن رعت ولوقت طويل تحالف الشمال المعارض في أفغانستان وفي وقت تحتل فيه موقعا بارزا في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. وتاريخيا، فقد تحفظت روسيا على تطوير شبكات لتصدير الغاز والنفط في آسيا الوسطى لا تمر في الأراضي الروسية.

وعلى صعيد آخر فقد ظهرت دلائل وإن غير مباشرة على إحياء النقاش حول مشروع أنابيب الغاز والنفط عبر أفغانستان. فبحسب روسيسكايا بيزنس غازيتا، المطبوعة الروسية المتخصصة بشؤون الإقتصاد، فإن قيام الولايات المتحدة وبريطانيا برفع العقوبات عن أفغانستان قد يمثل أولى الإشارات إلى توجه الشركات الأميركية لمعاودة الإنضمام إلى تجمع لبناء شبكة الغاز والنفط عبر أفغانستان.

وفي مبادرة لدعم إنشاء هذه الشبكة قام الرئيس التركماني سابارمورات نيازوف ببعث رسالة إلى زعماء الأمم المتحدة في شهر تشرين أول الماضي موضحا فيها أن هذه الشبكة من شأنها تأمين وصول الغاز التركماني إلى الموانئ الباكستانية المصدرة للخليج العربي. كما ودافع نيازوف عن الفكرة بقوله بأن المشروع سيتكفل بإعادة بناء أفغانستان في الوقت الذي سيسهم فيه في تكريس السلم الأهلي ومزيد من فرص العمل للمواطنين كما سيسرع من وتيرة التطور الاجتماعي-الاقتصادي في دول المنطقة بأسرها.

وبينما كان نيازوف يتحدث في حفل إعادة افتتاح السفارة التركمانية في موسكو في الثلاثين من شهر تشرين ثاني الماضي أوضح بأن بلاده تستطيع بيع 120 مليار متر مكعب من الغاز للأسواق العالمية سنويا إلا أنها لا تستطيع ذلك في الوقت الراهن بسبب النقص في شبكة أنابيب الغاز.
كما وغمز الرئيس التركماني ممن قناة روسيا حين أشار إلى أن إحصائيات أرقام الاستثمار الأجنبي لعام 2000 خلت من أرقام لاستثمارات روسية. إلا أنه عاد ليقول بأن غياب الروس هناك لا يعكس واقع أنهم لا يريدون ذلك بل بسبب المشاكل التي يواجهونها مع الأخذ بعين الاعتبار أنهم أنفسهم يبحثون عن مستثمرين.

من ناحيتهم يقول المحللون في موسكو بأن خروج المشروع في أفغانستان لحيز الوجود سيعني أن على روسيا أن تواجه اثنتان من النتائج غير السارة. فبحسب هذا التوقع سيخسر قطاع الطاقة الروسي الغاز الذي تصدره تركمانستان لروسيا وعلى المدى الأبعد ستتم خسارة الغاز الأوزبكي ومجوع هذا يعادل 25 مليار متر مكعب سنويا. وفي النتيجة الثانية ستخسر روسيا عائدات النقل فيما إذا توجهت صادرات الغاز من آسيا الوسطى الجنوب عبر أفغانستان باتجاه المحيط الهندي.

وبالرغم من ترددهم، إلا أن المحللين الروس يعترفون بوجود فارق أسعار يشجع دول آسيا الوسطى على البحث عن بديل للمنفذ الروسي. وتقول روسيسكايا بيزنس غازيتا بأن روسيا تستطيع دفع 38 دولارا كحد أقصى لكل ألف متر مكعب من الغاز المستورد من أوزبكستان و تركمنستان في حين أكد مستوردو جنوب أسيا المحتملين بأنهم على استعداد لدفع 60 دولارا كحد أدنى لألف المتر المكعب الواحد من الغاز.

وتبدو الأمور ملتبسة بعض الشيء على الجانب الروسي ففي حين يؤكد أحد الباحثين البارزين بشؤون آسيا الوسطى بأن مشروع الأنابيب عبر أفغانستان سيعطي دفعة قوية لتطورها يعود ليقول بأن ذلك سيوفر لتركمنستان فرصة للسيطرة على الوضع هناك. وفي هذه الحالة، يقول أليكسي مالاشينكو، بأن لا أحد يعلم كيف سيكون سلوك الرئيس التركماني نيازوف.

وبحسب ما أعلنه مسئولو الشركة النفطية الأميركية يونوكال فإنها ليست بوارد معاودة الانضمام لمشروع الأنابيب العتيد وأنها قد حولت اهتماماتها إلى مناطق أخرى في العالم. إلا أن مقالة افتتاحية في صحيفة إزفستيا الروسية شككت في ذلك وقالت بأن "يونوكال تحاول إخفاء نواياها الفعلية" وهو الأمر الذي يعبر عن استمرار الشكوك الروسية تجاه قيام المشروع.

ويذهب بعض المراقبين الروس إلى تفسير تواجد القوات والقواعد العسكرية الأميركية في دول آسيا الوسطى في سياق على علاقة بالسيطرة على مصادر الطاقة وتكتب صحيفة الكوميرسانت اليومية "إن الولايات المتحدة لم تخف خططها لإقامة قواعد عسكرية في منطقة آسيا الوسطى لضمان وحماية منافذ مرور الطاقة هناك".

ويضاف إلى قائمة تحفظات الكرملين تعيين الأكاديمي الأميركي من أصل أفغاني زالماي خليل زاد مساعدا خاصا للرئيس جورج بوش وكأحد المدراء لدى مجلس الأمن القومي في شؤون الخليج وجنوب غرب آسيا وقضايا أخرى في شهر حزيران الماضي. ويصف فيليب سميث، مدير مركز تحليل السياسة العامة، زالاماي باعتباره عنصرا مؤثرا في صياغة السياسة الأميركية في أفغانستان مشيرا في الوقت ذاته إلى أن زالاماي كان قد عمل قبل أربعة أعوام كمنسق لشركة يونوكال النفطية في مشروع أنابيب الغاز عبر أفغانستان.

ومن المتوقع أن تسعى روسيا إلى إحباط ما يصفه رجال أعمال النفط بـ "طريق الحرير الجديد" وفي سعيها لذلك فإنها قد تلجأ إما إلى زيادة تواجدها العسكري في أفغانستان أو إلى كسب ود الرئيس التركماني نيازوف في وقت يبدو أنها بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات على الصعيدين.

وتفيد التقارير بأن موسكو قد عرضت صفقة لعشرة أعوام على نيازوف تتضمن المشتريات الروسية من الغاز والصادرات التركمانية إلى دول أخرى. ويقول محللون روس بأن موسكو قد تعرض على نيازوف بالإضافة لذلك نسبا خاصة لصادرات تركمنستان من المصادر الطبيعية عبر شبكة المنافذ الروسية.

وعلى الصعيد العسكري، يقوم مسئولو وزارة الدفاع الروسية بتوسيع مشاركة قواتهم في أفغانستان في حين تقول مصادر في الوزارة بأن هناك خطرا قد ينجم عن "فراغ عسكري سياسي" في أفغانستان قد يهيأ بدوره الظروف المواتية لإندلاع حرب أهلية.

أما صحيفة نيزافيسمايا غازيتا فتقول "ليس فقط أن القرار بشأن المشاركة الروسية في التسوية الأفغانية قد اتخذ، بل إنه جار التنفيذ الآن".

تنويه: إيغور تورباكوف صحفي مستقل ومتخصص في شؤون آسيا الوسطى ويحل شهادة في التاريخ من جامعة الدولة في موسكو وشهادة دكتوراة في العلوم من الأكاديمية الأوكرانية.