تقريران عن إعمار أفغانستان يبرزان استقرار دول الجوار كشرط لاستقرارها

12/1/2002

أثارت دراستان حول عملية إعادة إعمار أفغانستان مخاوف من أن الإطار الحالي لبناء الدولة قد لا يكون ملائما لاستقرار البلاد التي عصفت بها الحرب. وجاءت هاتين الدراستين على شكل أوراق بحثية نشرها صندوق كارنجي للسلام العالمي وتشيران أن حضورا دوليا أقوى مطلوب في أفغانستان بما يتوجب النظر بعين الاهتمام بجهود الاستقرار الإقليمي.

وتشير الدراسة بعنوان "إعادة بناء أفغانستان: الطموح والواقع" إلى أن هدف إعادة إعمار أفغانستان والمتمثل بتطور بلاد كدولة علمانية وديمقراطية متعددة الأعراق يبدو غير واقعي في الوقت الراهن. ويقول معدا التقرير وهما كل من مارينا أوتاوي وأناتول ليفن بأن التاريخ المعاصر لأفغانستان والذي ظل يشهد استمرارا للنزاع يجعل من تجنب النزاعات المسلحة وضمان أمن طرق التجارة أهدافا واقعية.

ويضيفان بأن الدولة الأفغانية هي دولة حديثة العهد ولم يتمكن الاستعمار الذي ساهم جزئيا في خلق هذه الدولة من انتزاع ولاء سكانها الكامل كما أن حضورا دوليا عسكريا مكثفا في أفغانستان سيكون ضروريا للدفع باتجاه استقرار البلاد مع أن المجتمع الدولي ما زال مترددا لغاية الآن للالتزام بذلك. وبهدف التقليل من مخاطر التوتر العرقي الداخلي فإن على جهود المساعدات الاقتصادية أن تبتعد عن "المركزية" وأن يتم السماح لتوزيع المساعدات إلى المناطق الأفغانية بشكل مباشر.

من ناحية أخرى تبحث الدراسة الأخرى وهي بعنوان "الإستراتيجية الإقليمية لإعادة الإعمار" في سياق أكثر شمولية لإعادة الإعمار في أفغانستان. حيث قامت واضعة الدراسة مارثا بريل أولكوت بالتركيز على التطور الاقتصادي الإقليمي كمفتاح الاستقرار. فبرأيها أن على المجتمع الدولي القيام بنزع سلاح المجتمع الأفغاني والقضاء على زراعة الخشخاش. كما أن عدم السماح للمتطرفين الإسلاميين من الوصول لمصادر التمويل والتسليح من عوائد تجارة المخدرات سيشكل خطوة بعيدة الأمد في سياق القضاء على مخاطر الإرهاب في المنطقة.

وتقول الباحثة بأن على المجتمع الدولي الدعوة للإصلاحات الاقتصادية في أفغانستان والدول المجاورة وعلى وجه التحديد أوزبكستان وهي التي تقول بأنها تقع في "قلب" المسألة حيث بمقدور جميع دول آسيا الوسطى الاستفادة من انتعاش الاقتصاد الأوزبكي ومن نشأة لسوق على مستوى المنطقة.

كما أن من شأن تحسن ظروف المعيشة في المنطقة الحد من الجاذبية التي تتمتع بها الأفكار الإسلامية المتطرفة، إلا أن أوزبكستان ثبتت على عدم تعاونها وانخراطها في الحلف من أجل الاستقرار. ويبدو أن الرئيس الأوزبكي إسلام كاريموف على قناعة بأن سياسة "إنعزالية" من شأنها حماية بلاده من انتقال عدم الاستقرار إليها فيما كانت الحدود الدنيا من التعاون الذي أبداه كاريموف متمثلة في فتح نقطة حدودية هامة على الحدود مع أفغانستان لتسهيل انتقال المساعدات. وبالرغم من ذلك لم يظهر الرئيس الأوزبكي أي بادرة لتنفيذ خطة إصلاح اقتصادي بعيدة الأمد تحتاجها بلاده.

وتمضي الباحثة بأن على أوزبكستان إعادة الاعتبار لماضيها الإسلامي حيث تبرز قليل من الرموز الدينية في تشكيلة نظامها القمعي. وتقول أولكوت بأن على المشرعين الأميركان أن يربطوا الدعم العسكري لأوزبكستان بمطالبة بالتغيير الاجتماعي والاقتصادي متضمنا عملة قابلة للتداول والتزاما بحرية التعبير. ومن شأن أي حل آخر أن يغذي الطموحات التوسعية الأوزبكية أو زيادة مخاطر أن يجد الإسلاميون قاعدة لنفوذهم هناك.
وفي الوقت الذي تتباين فيه الآراء عن السرعة التي ستنتقل فيها أفغانستان لتصبح دولة ذات مظهر ديمقراطي فإن هناك شبه إجماع في أوساط خبراء آسيا الوسطى أن سياسات كاريموف لا تساعد على تعزيز الفرصة في الاستقرار الإقليمي.

فمن ناحيته يقول أحمد رشيد وهو صحفي باكستاني ومؤلف لكتابين عن التطرف في المنطقة بأن ردة فعل كاريموف فيما يتعلق بشحنات المساعدات الإنسانية يشير بوضوح إلى إمكانية الدور المعوق الذي قد تلعبه أوزبكستان. وكان الرئيس الأوزبكي قد أغضب الدبلوماسيين الغربيين بتأخيره لافتتاح جسر الصداقة والذي يربط المناطق الأوزبكية بالأفغانية مما أدى إلى تعطيل توزيع المساعدات الإنسانية في المناطق الشمالية من أفغانستان.

أما بارنت روبن وهو باحث أفغاني ساعد على تطوير خطة الأمم المتحدة لإعادة إعمار أفغانستان فقد وصف السلوك الأوزبكي باعتباره "ضربة" للجهود الأميركية الرامية لتعزيز الاستقرار وأضاف بأن إعمار أفغانستان سيتأتى من خلال الاستقرار في الدول المجاورة وهذا ما يعني بأن الإصلاح الذي يدعو للاستقرار هو إيجابي.

ويضيف روبن الذي يدير مركزا للتعاون الدولي في جامعة نيويورك بأن فشل جهود الإعمار أو نجاحها لن يعتمد على عامل واحد فقط حيث من شأن إنطلاق الإصلاحات في أوزبكستان إرسال إشارة إيجابية إلى فقراء منطقة وادي فرغانة والتي تشكل قلب آسيا الوسطى الزراعي ومركزا للتراجع الاقتصادي والاجتماعي في الوقت الراهن.

وعلى صعيد آخر فإن انتهاكات كاريموف لأبسط حقوق الإنسان وعلى وجه الخصوص حرية التعبير والتعبير الديني تشكل تحديا لسلطة الولايات المتحدة الأخلاقية في قيادة حملة مكافحة الإرهاب، حيث أبدى قادة الولايات المتحدة ترددا واضحا في ممارسة الضغوط على كاريموف للحد من انتهاكاته المذكورة بعد الحادي عشر من أيلول. وكانت أوزبكستان قد درأت بنفسها عن الانتقادات الغربية وذلك بمنح القوات الأميركية تسهيلات باستخدام أراضيها.

وبرزت في الآونة الأخيرة بعض ملامح عدم الرضى من قبل عدد من القيادات السياسية الأميركية عن السياسة الأوزبكية. ففي الثامن من الشهر الحالي التقى النائب الديمقراطي في الكونغرس الأميركي جوزيف ليبرمان مع الرئيس الأوزبكي حيث أفضى له بأن المساعدات الاقتصادية الأميركية لأوزبكستان سترتبط باحترام الأخيرة بحقوق الإنسان وأكد على أن "احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان تهمنا وما لم تقم أوزبكستان بالتحرك بهذا الاتجاه ستكون هناك قيود على الدعم الذي نستطيع توفيره".

من ناحيتها فإن الباحثة أولكوت تدعم توجها من هذا النوع وتقول بأنه لا يتوجب خسارة أوزبكستان وليس من الضروري أن تسلك الطريق الأفغاني أو الباكستاني إذا كانت واشنطن حذرة في علاقاتها مع طشقند. إلا أن الصحفي الباكستاني أحمد رشيد عاد ليحذر بأن إدارة الرئيس جورج بوش قد لا تشارك النائب ليبرمان في وجهات نظره حيث تسيطر الاعتبارات الدفاعية والاستراتيجية على سياسة هذه الإدارة، ومن المتوقع أن تبقي الإدارة الأميركية على صمتها حيال سياسات أوزبكستان الداخلية طالما رغبت هذه الإدارة في الحفاظ على قواتها في أوزبكستان.

Eurasianet.org جميع الحقوق محفوظة لشبكة أوراسيا ©