الحالة الصحية للرئيس الأذري تثير قلق الجمهور
والمعارضة تلتزم الصمت لحين عودته
من:
كلير دويل
22/2/2002
أعادت
الحالة الصحية غير المستقرة للرئيس الأذري حيدر
علييف تسليط الأضواء على حالة الإستقرار السياسي
في البلاد، فالرئيس يتعافى حاليا من عملية جراحية
أجريت له في البروستاتا في أحد مستشفيات الولايات
المتحدة، وفي محاولة منه لخلق الإنطباعات بأنه
في وضع طبيعي قام باجراء عدة لقاءات تلفزيونية،
وساهمت حركات وتصرفات الرئيس خلال اللقاءات في
إزالة مخاوف الكثيرين إلا أنها لم تزل كليا القلق
حول احتمالات عدم الأستقرار.
ومنذ
إجرائه العملية الجراحية في 14 شباط ظهر الرئيس
علييف في لقائين تلفزيونيين شدد خلالهما على أنه
كان على اتصال يومي بمسؤولي حكومته في باكو، وأنه
كان منخرطا بالكامل في إدارة دفة الأمور في البلاد،
وقد ساعدت تأكيدات علييف على التخفيف من حدة التكهنات
المحمومة التي أحاطت بزيارته السابقة إلى عيادة
(كليفلاند) في أوهايو حيث يتلقى العلاج حاليا.
وقال
علييف خلال اللقاء التلفزيوني الثاني الذي بثته
محطة إي إن إس في 19 شباط "كنت ولا زلت بصحة
جيدة، لاأريد لأحد أن يشك في ذلك.. لكن المرء
يحتاج إلى النقاهة والعلاج عادة بعد إجراء عملية
جراحية، وأنا الأن في هذه المرحلة".
وكان
علييف قد قام بأول رحلة له إلى عيادة كليفلاند
في العام 1999 وكان يعاني حينها من مشاكل في القلب
وأدى غيابه إلى إصابة نشاط وعمل الحكومة بحالة
أشبه بالشلل ، وهو ما أثار مشاعر عدم الارتياح
لحقيقة أن علييف عمد إلى تركيز كل السلطات وكل
خيوط صناعة القرار في يده. وخلال زيارته الثانية
للعيادة ذاتها في أيلول من العام 2000 اضطر المسؤولون
الأذريون إلى نفي صحة معلومات أوردها تقرير صحفي
روسي حول وفاة الرئيس علييف ، وهو ما اعتبره المراقبون
نتيجة منطقية للإستراتيجية الإعلامية المتكتمة
التي قامت على السرية ونفي المعلومات.
إلا
أن هذه المرة شهدت معالجة مختلفة للأمور وبأسلوب
أكثر حساسية، والشيء الوحيد الذي تسببت به زيارة
العلاج كانت تأجيل زيارته إلى طهران والتي كانت
مقررة في الفترة 18- 20 شباط الجاري.
وبالرغم
من أن هذه المرة هي الخامسة التي يجري فيها تأجيل
زيارة علييف لطهران، إلا المحللين المحليين يستبعدون
أن يتسبب ذلك بأي مشاكل كبيرة.
ومن
جانبها فقد التزمت المعارضة الأذربيجانية الهدوء
إلى حد ما باستثناء مظاهرة حاشدة واحدة جرت في
16 من الشهر والتي أعقبها اعتقال عدة عشرات من
الأشخاص، وقد أعلن الحزب الذي نظم هذه المظاهرة
عن اتخاذه قرارا بتأجيل أي مظاهرات أخرى في الوقت
الحلي حتى آذار المقبل على أقل تقدير. ويعتقد
بعض قادة المعارضة أن أي خطوات يقومون بها ستؤدي
إلى نتائج عكسية، وذلك لأن الناس قد يعتبرون أنه
ليس من الإنصاف والعدل تحدي الرئيس وهو مريض.
وقد
أدت السرية التي غلبت على أداء الحكومة إلى اضعاف
الرسالة التي كانت تسعى لإيصالها بأن الرئيس بصحة
جيدة، ويعتقد كثير من الأذريون بأن اللقاء التلفزيوني
الأول للرئيس والذي أذيع مسجلا، كان قد أجري وسجل
قبل إجراء العملية، وهو ما دفع باتجاه أجراء المقابلة
الثانية التي بثت بالصوت فقط بدون مصاحبة الصورة.
و
لاحظ الكثير من المواطنين في أذربيجان أن هذه
المقابلة بدت أكثر واقعية لشخص كبير في السن يتماثل
للشفاء من عملية جراحية كبيرة وذلك لأن علييف
بدا بعيد عن التصنع وكان ينادي من يجري معه المقابلة
بإسمه، ويعلق بعفوية على فترة نقاهته في المستشفى
في الوقت الذي اعتقد فيه معظم المراقبين أن هذه
المقابلة تبث بالفعل وعلى الهواء مباشرة من عيادة
كليفلاند.
"أتواصل
مع حكومتي بالهاتف، أتلقى المعلومات من مسؤولي
الدولة والشخصيات المستقلة، وأصدر الأوامر والتعليمات
الضرورية" وأضاف "وأنا سعيد لإستباب
الأستقرار والطمأنينة في البلاد رغم وجودي خارجه،
ولأن النظام هناك في مستواه الطبيعي".
ومن
ناحيتها فقد تجنبت الصحافة الأذرية والتي عرفت
بتمردها ومشاكستها وإلى حد كبير التشكيك بحالة
الرئيس الصحية ونتائجها المحتملة، وقد يعود سبب
ذلك في جزء منه إلى الضغوط التي تتعرض لها الصحف
ووسائل إعلام المعارضة لدفعها للإصطفاف بمحاذاة
التوجه الحكومي، إلا أنه وهو ما يعكس أيضا درجة
معينة من الاكتفاء بالمعلومات المتوفرة.
وتشير
التقارير الدبلوماسية إلى أن الحكومة الأذرية
تبدو في سيطرة على إدارة أمور البلاد، وأن هناك
شعور ضعيف بأن البلاد في حالة جمود، ويبدو أن
الشعب الأذري بات معتادا على غياب رئيسه كل عام
لإسباب صحية، وربما لهذا السبب نجح المسؤولون
في البلاد في التقليل من خطورة الوضع الصحي للرئيس.
ومع
ذلك فهناك مشاعر مستترة من القلق تسري في البلاد
والتي يزداد تناميها بتجدد المشاكل الصحية للرئيس
البالغ من العمر78 عاما، في وقت تجري فيه تجركات
بهدف تنصيب نجل الرئيس (إلهام) كرئيس مقبل للبلاد
بالرغم من أن الإبن يحظى بشعبية محدودة مقارنة
بوالده، وهو الأمر الذي يثير المخاوف والقلق فيما
يتعلق بحالة الاستقرار الإجتماعي للبلاد في حال
غادر علييف الكبير كرسيه.
ومن
المؤشرات على أن كبار المسؤولين يشعرون أيضا بمثل
هذا القلق، مشروع القانون الذي قدم مؤخرا بهدف
تمديد فترة ولاية الرئيس من خمس إلى سبع سنوات.
وبالرغم من أن الرئيس علييف كان قد صرح بمعارضته
للفكرة إلا أن من المستبعد أن يكون المشروع قد
قدم دون علمه.
و
حذرت المعارضة من جانبها من وجود خطط طوارئ جاهزة
للتعامل مع أي استياء شعبي قد يحدث خلال غياب
الرئيس، و ذهب الصحفي راؤوف أريفغلو بعيدا في
تحذير قادة المعارضة بضرورة الحفاظ على النظام
وسيادة القانون وذلك حتى عودة الرئيس.
ولدى
الأذربيجان مخاوف لها ما يبررها من احتمالات العودة
إلى حالة الفوضى السياسية والإجتماعية التي لازمت
البلاد في السنوات الأولى من استقلالها، والتي
من شأنها الآن أن تهدد بخسارة ملايين الدولارات
من الاستثمارات الأجنبية تقوم عليها البنية التحتية
لقطاع النفط في البلاد.
ومن
شأن حدوث زعزعة على صعيد الاستقرار الإجتماعي
أن تؤدي إلى نتائج سيئة يصعب التنبؤ بها، وتلك
يمكن أن يقود إليها الاحساس بوجود فراغ في السلطة
أو حدوث هذا الفراغ فعليا، وهذا بدون شك السبب
الذي يجعل المحيطين بالرئيس يعملون بجهد على الإسراع
في انهاء مسألة عملية الرئيس الجراحية، فكلما
تماثل للشفاء بشكل أسرع وعاد في غضون أسبوعين،
كلما خفف ذلك من ثقل الحمل على مساعديه، وعندها
لن يكون هناك ما يدعو للقلق. أما في حال تعثر
شفاؤه أو انتشار القناعة بوجود أمور خفية عن الرأي
العام، فإن المسؤولين هناك سرعان ما سيدركون بأن
هناك حدود للسيطرة على الإعلام وما يمكن أن يقوله.
تنويه: كلير دويل صحفية مستقلة مقيمة في باكو