بحر قزوين و سياسة حافة الهاوية
بقلم: دولي كلير
26/5/2002

عقد في العاصمة التركمانية المؤتمر الأول لرؤساء الدول الخمس الواقعة على بحر قزوين، يومي 23و 24 من شهر نيسان و هو أول مؤتمر منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وكما كان متوقعا، لم تصل مدلولات هذه القمة إلى نتائج محدودة. وقد عبرت بعض الدول عن قناعتها ببقاء الوضع الراهن كما هو دون ترسيم حدود الدول الواقعة على هذا البحر، و بشكل خاص كان من الممكن أن تحقق أذربيجان فوائد أكثر فيما لو جرى ترسيم الحدود.

ولم تجتمع دول بحر قزوين و هي أذربيجان و كازاخستان و تركمستان و روسيا و التي انضمت إليها إيران منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. و بصراحة كان هناك اتفاق بين كل من روسيا و أذربيجان و كازاخستان حول تقاسم الحقوق استنادا لطول حدود كل منها الواقعة على بحر قزوين، و أعطى هذا الاتفاق إيران ما نسبته 13% فقط من ساحل بحر قزوين و هو ما رفضته إيران و التي طالبت بتقسيم حدود بحر قزوين إلى قمة أجزاء متساوية للدول الخمس المطلة على هذا البحر. و قد طوى الرئيس التركماني المتقلب المزاج صابر مايرات نيازون صفحة هذا الاقتراح الإيراني القديم و المرفوض.

وقد أعلنت إيران و تركمستان بيانا مشتركا في مؤتمر القمة تضمن تهديدا مباشرا لأذربيجان. و شرح نيازون موقف بلاده المعارض لأذربيجان المرتبط بتطويرها لحقول النفط، و ادعاء تركمستان المزعوم و الذي أشار إلى "رائحة الدم" تفوح من بحر قزوين. و في هذه الأثناء حذر الرئيس الإيراني محمد خاتمي , الشركات الأجنبية والتي تقوم بالتنقيب عن النفط في بحر قزوين، وأكد على أن إيران يمكن أن تتخذ إجراءات ضد استمرار سرقة هذه الشركات لنفط بحر قزوين.

و قد عبر الرئيس الأذربيجاني حيدر علييف عن غضبه الشديد عندما سأله الصحفيون في باكو حول اقتراحات نيازوف و التي تشير إلى إعادة رسم خرائط حدود قزوين.و اعتبر علييف و شركة النفط البريطانية "أموكو" و التي تعمل على تطوير حقول بحر قزوين أن موقف نيازوف يشكل إلتفافا على مؤتمر القمة و الذي يعتبر خطة مثمرة تدفع الإنتاج إلى الأمام. و اعتبرت شركة النفط البريطانية أن مجرد انعقاد مؤتمر القمة هذا حدث مهم في حد ذاته.

وقد ربطت أذربيجان الأمال المعقودة في المدى القصير و الطويل على تطوير استراتيجيات تطوير حقول الإنتاج و بين الحقوق غير المتنازع عليها في بحر قزوين. وفي غياب الاتفاقيات الواضحة فإن و استثمار بحر قزوين لا يتم كما يجب. و في الصيف الماضي قام قارب خفر السواحل الإيراني بتهديد إحدى السفن و التي كانت تحمل معدات التنقيب عن النفط تابعة لشركة النفط البريطانية " أكومو" في منطقة متنازع عليها بين إيران و أذربيجان. 

ومع هذا أعلنت شركة "أموكو" أن لديها خطط كافية لاستمرار الأعمال التقنية للوصول إلى الهدف، و أنشأت لهذا الغرض و حددت موقع البئر الأول الذي سيتم حفره،و قبل الوصول إلى اتفاقيات حدودية، وأن الحفر سيتم على الرغم من وجود التهديدات المختلفة. و على المدى الطويل فإن عدم وجود اتفاق يمكن أن يحبط أو يؤجل تنفيذ مد أنبوب النفط تحت البحر و الذي ينقل النفط من غرب كازاخستان إلى باكو.و يأمل المسؤولين الأذربيين أن يسهم مد هذا الأنبوب في إنعاش الوضع الاقتصادي الناجم عن أنبوب باكو – تبليسي – سيهان، و الذي حظي بدعم الولايات المتحدة. و لكن عدم وجود شرعية كافية لهذه الحقوق بجعل ذلك مخاطرة كبيرة.

و تشاؤم أذربيجان في عدم إمكانية الوصول لمعاهدة له ما يبرره. و في الوقت نفسه عبر الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين عن دعمه لعقد اتفاقيات ثنائية في ظل عدم اتفاق بين جميع الدول , و أن بلاده تستطيع استخدام نفوذها الواسع للوصول إلى صفقة متوازنة ترضي أذربيجان.

وقد أعلن نيازوف أنه مستعد للبدأ في مباحثات ثنائية في 27/نيسان , وقد أشار إلى إمكانية الوصول إلى اتفاق ثنائي مع أذربيجان على خلاف موقفه في مؤتمر القمة، وقد أظهرت إيران رغبتها في ضرورة وصول الطرفين إلى حل يرسم الحدود بين البلدين.

وقد عبر مسؤولون فيعوا المستوى في باكو عن خيبة أملهم. و أعلن عيد رستم محمودوف أن دول بحر قزوين لم تستوعب بعد التغيرات الجيوبولتيكية و لهذا فشلوا لعدم معرفتهم بأهمية الوصول إلى قاسم مشترك يجمعهم. و أشار علييف بانفعال أن نيازوف اتبع أهوائه هو يعيد رسم الخرائط و يقدم مقترحاته.

و تحدث بعض المحللون بوضوح اكبر عن دور رسمي في استمرار هذه الأزمة. و عبر الرئيس السابق عيد فيفاجليوزاد عن قناعته أن روسيا و إيران لعبوا بقوة لعدم الوصول إلى اتفاق في مؤتمر القمة، وأنهم كانوا ينسقون مواقفهم. و اعتمد برأيه هذا على الخلافات التي كانت قائمة سابقا بين البلدين , ولكن كلا الدولتين ترغب بإضعاف النفوذ الأميركي في المنطقة . واعتقد أن تركمستان و التي اتخذت موقف الحياد في قضايا السياسة الخارجية ترغب في نجاح روسيا و إيران في مخططهم هذا.

وهذا " إفشال نجاح القمة " يمكن أن يعتبر مؤامرة حبكتها روسيا حسب قول جليوزاد :" وهي ترغب في تقوية هيمنتها على بحر قزوين , و على الولايات المتحدة و بريطانيا أن تفكرا في هذا الأمر ". و أشار جليوزاد أن الشركات البريطانية و الأميركية ممكن أن تخسر، إذا أقدمت إحدى الدول المعنية بوقف عمليات التنقيب تحت الماء , و التي تدعي أذربيجان بأحقيتها. وقد دلل على ذلك بلجؤ نيازوف لاستخدام لغة التهديد العسكري : " إذا استخدموا لغة التهديد، فنحن و شركاؤنا جاهزون و أن تطوير حقول النفط يجب أن يتم حمايتها بالقوة العسركية  "  حسب قول جليوزاد. وقد وصف تعليق الرئيس نيازوف على الموقف الأذري بأنه "مشين و مسيء ".

وقد أثارت تعليقات نيازوف ردود فعل عالية في الصحافة الأذربيجانية، "إن تصريح الرئيس التركماني أن رائحة الدم تفوح من بحر قزوين , تعني الدم الأذربيجاني ". وعلقت وكالة طوران للأنباء بقولها " لا إيران و لا روسيا لها مصلحة في تطوير حقل نفط بحر قزوين , فكلاهما ينطلقان من مواقف سياسة و اقتصادية , حسب ما قال الصحفي الأذربيجاني  زركالو : " ولهذا أغلقت إيران و روسيا إمكانية الوصول إلى اتفاق يتم بموجبه تشريع أمر الواقع الحالي في بحر قزوين " في الوقت الذي يعاني فيه اقتصاد تركمانتسان من عجز مالي و يستدين من الدول المستورة للنفط , و لكنه يظهر المستفيد من اتخاذ موقف وسط بين طهران و موسكو . مثل هذا التحليل يظهر معقولا , و لكن أذربيجان وقعت ضحية الصراع بين القوى و كما تدلل الوقائع التاريخية، فإن باكو تحصل على اتفاق و إجماع داخلي يدعم مواقفها.

وعلى الرغم من أن الحرب تبدو بعيدة في محيط بحر قزوين، فإن البعض يبدي اهتماما أكبر في المنطقة و قد وعدت ميراريكاردلي مساعدة نائب وزير الدفاع الأميركي في آذار الماضي أن الولايات المتحدة الأميركية ستقدم العم و الحماية , و تعزز قدرات القوة البحرية التي تحمي حدود أذربيجان في بحر قزوين. و تصريحاته هذه انعكست سلبا على المباحثات في مؤتمر القمة. و الآن و في مثل هذه الظروف فقد تم صرف النظر عن وجهة النظر هذه.   

كلير دويل          
صحفية مقيمة في باكو

Eurasianet.org جميع الحقوق محفوظة لشبكة أوراسيا ©