الانتخابات التركية تؤدي لاصلاح الطبيعة السياسية للدولة
ايروجيا – تعليق مولوت كاتك
20/11/2002

إن نتائج الانتخابات المذهلة والتي جرت بتركيا في الثالث منتشرين ثاني، والتي حصل بها حزب إسلامي معتدل على الغالبية البرلمانية، قد تقود الى تغييرات كبيرة في النظام السياسي التركي.

فعلى المدى القصير فان حزب العدالة والتطور الفائز(AKP) أن يقوم بإقناع المجموعات (الدوائر) الانتخابية القوية بأنه لن يسعى باجراء تغييرات كبيرة في الاطار السياسي العلماني للدولة. والانتخابات التي خدمت كرفض مؤثر للوضع الراهن وضعت AKP في مركز مهيمن في النظام السياسي التركي. فقد فاز حزب العدالة والتطور AKP ب 34.2 بالمائة من الاصوات، وحيازته على 362 معقدا في البرلمان من اصل 550 مقعدا.

اما حزب الشعب الجمهوري الوسط اليساري CHP فكان الحزب الثاني المعيد الذي استطاع تنظيف 10 بالمائة اللازمة لحيازة مقاعد في البرلمان. إن 19.3 بالمائة حصة حزب CHP من الاصوات كانت كافية للفوز ب 178 مقعدا في البرلمان. كذلك فاز (تسعة) مستقلين بتفويضات برلمانية.

الاغلبية الساحقة لحزبAKP ستكون العلامة التي تبين نهاية 15 سنه من التحالفات الحكومية الصعبة حتى ولو تمكن حزب AKP من السيطرة على البرلمان الا أن التفويض العام للحزب في الحكم تبدو محدودة – والسبب الجزئي في هذا هو أن 45 بالمائة من الاصوات قد صوتت لاحزاب لم تفز بأي مقعد في التشريعات. وعلى حسب ذلك يشير رئيس الحزب رجب طيب اردوغان بأن الحكومة المسيطرة عليها من قبل حزب AKP لن تبدأ بمبادرات تغيير راديكالي للسياسات الحالية. ومن المعلوم بأن اردوغان نفسه محروم من اشغال وظيفه سياسية وذلك بسبب الحكم عليه بالتحريض لكراهية دينية، ومن المتوقع أن يجعل أحد مساعديه رئيسا للوزراء.

وقال بيان صادر عن الحزب بان الحكومة الجديدة ستعمل على احترام طرق معيشة جميع المواطنين، وأن تجعل المؤسسات الدستورية تعمل بشكل افضل، وأن تقوم بالإسراع في عملية دخول تركيا الى الاتحاد الأوروبي والقيام بتنفيذ برنامج اقتصادي من شأنه أن يقوي التكامل التركي في الاقتصاد العالمي.

صممت بيانات مثل هذه اساسا لطمأنة المجموعات الانتخابية القوية في تركيا وخاصة القوات المسلحة والتي دأبت ومنذ تأسيس تركيا الحديثة على لعب دور حارس التقليدي على النظام السياسي العلماني للدولة التركية. ومن اجل تقوية رغبة حزبAKP لاقامة علاقة عمل طيبة مع كبار خبراء تركيا، قام رئيس الحزب بالوكالة عبد الله جول – والذي تكهن بعض المحللون بأنه سيكون رئيس الوزراء التالي – بإدلاء تصريح الى شبكة الاذاعة البريطانية "نحن فخورون جدا بجيشنا. انهم جزء من هذا البلد ".

وفي نفس الوقت يشدد زعماء حزب AKP على تأييدهم للمبادئ الديمقراطية السياسية. ويصفون حزبهم السياسي على انه الديمقراطي المسلم او انه النسمة التركية لاحزاب المسيحية الديمقراطية الموجودة في كثير من اقطار اوروبا الغربية. ويقول جول "نحن حزب ديمقراطي محافظ، ويعنى المحافظ بأنه الحزب الذي يحسب حسابا لتيعتم القطر ".

وبغض النظر عن جهود حزب العدالة والتطور AKP بتقديم نفسه على انه مؤيد للتغيير والنشوء الارتقائي، الا أن نتائج التصويت قد يكون لها مضامين ثورية على النظام السياسي التركي. حيث تم هزيمة اربعة احزاب سياسية رئيسية وابعادها من الحقل السياسي بما فيهم رئيس الحالي لحكومة بولنت اجاويت وحزبه الديمقراطي اليساري، والذي لم يكسب الا (1.2) بالمائة من الاصوات. وتظهر الاستفتاءات الكارثية بسرعة استقالة قادة ثلاثة احزاب – دولت بهجلي منالحركة القومية، وتانسو جيللر من حزب الممر الحقيقي، ومسعود يلمان رئيس حزب الوطن الام. بينما اعلن اجاويت تقاعده من السياسة بالرغم من تعينه ف 4 تشرين ثاني بان يكون القائم برئاسة الوزراء لحين تأليف الحكومة الجديدة.

وكانت الاشارة الكبرى للتحرر من اوهام الانتخابية مع المؤسسة السياسية كانت في أن حزب الفتى والذي يقودة عملاق الصحافة جيم اوزان قد احرز 7 بالمائة من الاصوات. وقد قارن بعض المراقبون السياسيون الاتراك اوزان هذا بسيلفيو بيرلوسكوني الايطالي، والذي تقاضيه شركات موتورولا ونوكيا لدى المحاكم الدولية بتهمة التزوير. واعتمد اوزان في حملته الانتخابية على شعارات عامة بما فيها وعود بتخفيض كبير بالضرائب، وتعهد بقطع الروابط مع صندوق النقد الدولي والذي يقوم بدور المرشد المساعد في النهوض بالاقتصاد التركي. (لمعلومات اضافية راجع ارشيف ايروجيا ).

بالاضافة الى ذلك يبدو أن المقترعين قد تغاضوا عن تورط اوزان في احدى فضائح البنوك التركية باوائل التسعينات. قد ضربت هذه الفضائح حسابات توفير عدد كبير من الطبقة العالمة التركية.

اما مع مرور الوقت، فقد تساعد نتائج الانتخابات على كسر دورة الوهن (ضعف) السياسي والذي النخبة القديمة الصانعة للقرارات في تناقض مع الناخبين. حيث أن المؤسسة القديمة كانت تدافع عن التقليد السياسي العلماني بقوة بينما اظهر الناخبون رغبتهم المتنامية بالقطر. كذلك كان الناخبون يضغطون بقوة للاعتراف الرسمي بالصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الكثير من الاتراك. اما الاصلاح الشامل والقريب للطبيعة السياسية التركية قدي ؤدي الى التشجيع الواسع للاشتراك في الحياة السياسية، والى الكثير من الوكالات الحكومية المسئولة.

حيث أن الكثير من الاحزاب السياسية المتمكنة قد تحولت الى مجرد هياكل فقد يقود هذا الى تغييرات دائمة في انماط التصويت. كذلك تبين النتائج على اهمية ولاء الناخب الى حزب سياسي معين اصبح ضعيفا كثر من أي وقت مضى واصبح الناخب ميال الى الإدلاء بصوته على اسس تكتيكية او للاحتجاج على النتائج المتوخاة من الحزب الحاكم.

بينما انه من الصعب التكهن كيف ستكون فعالية حزب العدالة والتطور في قيادة تركيا الا أن ردة فعل الفورية لاسواق المال التركية كانت ايجابية، حيث ارتفعت اسعار الاسهم في الرابع من تشرين الثاني وازدادت قيمة الليرة التركية قليلا مقابل الدولار الامريكي. اما في الاشهر القادمة سيكون هنال اجندة تامة ومعقدة : حيث انه على تركيا أن تتعامل معا الظروف التي فرضت عليها وذلك لموقعها الجغرافي. وقد يكون هنالك هجوما امريكيا مع العراق، ومن المحتمل أن يصدر قرارا من الاتحاد الاوروبي لتحديد تاريخ لبدء محادثات انضمام تركيا للاتحاد. كذلك ايجاد حلا للمسألة القبرصية سيكون طرفا في المعادلة.

كذلك ستكون استمرارية تنفي برنامج الاصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي في قمة الاولويات.

ملاحظة المحرر: مولوت كاتك، صحفي ومحلل مقيم في لندن وهو مراسل سابق لهيئة الاذاعة البريطانية، وعمل ايضا لدى مجموعة الايكونومست.

Eurasianet.org جميع الحقوق محفوظة لشبكة أوراسيا ©