قضاة يحكمون بالإعدام على أشخاص لاقتنائهم "سمادا زراعيا" والكراريس الدينية ممنوعة التداول
حكومة "كاريموف" الأوزبكية تستغل المأزق السياسي في المنطقة للانقضاض على حرية التعبير الديني والسياسي ومعارضيها

من: رافائيل بوزانت

لم يمكن بمقدور اسوزهيدا روحيموفا فعل شيء حين علمت بأن الشرطة أتت لاعتقال ابنها، بعد أن تلقت منه هاتفا حرق أعصابها بعد عدة ساعات من اعتقاله، حيث أخبرها ابنها زوهيد ذو الخمسة و عشرين عاما بصوت كان بالكاد مسموعا، أنه قد اعتقل في بيتهم في وقت قبل منتصف الليل أثناء نومها.

وحاول زوهيد خلال المكالمة المشوشة طمأنة أمه بأن السلطات المحلية لن تحتجزه أكثر من خمسة عشر يوما، ولكنها فهمت بسرعة بأن المدة قد تطول مع وجود ابن آخر لها تم اعتقاله بسبب معتقداته الدينية، و سرعان ما حكم على زوهيد بالسجن لمدة خمس عشر عاما في الثامن من تشرين الثاني.

وفي دولة مثل أوزبكستان فإن محاكمات المؤمنين المسلمين تتم في ظل إجراءات عسكرية مشددة في الوقت الذي تتحدث فيه السلطات عن الحاجة للقضاء على أهداف المتطرفين الإسلاميين والتي تصفها بـ "تقويض مبادئ الدولة العلمانية وسيادتها الإقليمية". إلا أن ناشطي حقوق الإنسان يصفون مزاعم التصدي للتطرف التي تسوقها الحكومة باعتبارها ليست سوى شكلا من أشكال السيطرة على وسائل التعبير الدين في البلد الذي أصبح أحد حلفاء واشنطن في حملتها الجارية.

وتبرز محاكمة زوهيد روحيموف نموذجا للكيفية التي تتم فيها محاكمة العديد من مؤمني أوزبكستان باعتبارهم "متطرفين خطرين". وكان روحيموف قد حوكم مع تسع شبان آخرين في قاعة محكمة رثة في ضواحي طشقند العاصمة الأوزبكية الممتدة حيث جلس المتهمون في قفص الاتهام بقاعة المحكمة التي أصدر قاضيها أحكام السجن على المتهمين العشرة لمدد تتراوح بين 9 إلى 17 عاما. ويقطن المتهمون العشرة ذات الحي في العاصمة الأوزبكية وتمت إدانتهم بتهم الانتماء إلى حزب التحرير وهو حزب يشار إليه بالتطرف ويدعو إلى إقامة دولة إسلامية بدون استخدام العنف في آسيا الوسطى.

وكانت الإجراءات الأمنية مشددة خلال المحاكمة المذكورة، ففي الوقت الذي ثبت جندي كان يقف أمام المتهمين يده على مسدسه، كانت وجوه متحجرة لثمانية جنود آخرين بالزي الحربي ومدججين بالهراوات تتفحص قاعة المحكمة حين نطق القاضي بالحكم. ويعود ناشطو حقوق الإنسان للقول بأن محاكمة روحيموف والعديد من مثلها تظهر أن القيادة المتسلطة في أوزبكستان لم تخفف من ضراوة موقفها فيما يتعلق بالاضطهاد الديني والسياسي منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة حيث أضحت أوزبكستان شريكا رئيسيا للولايات المتحدة في الحملة المناهضة للإرهاب التي تقودها الأخيرة.

وتصف ماتيلدا بوغنر ممثلة منظمة مراقبة حقوق الإنسان في أوزبكستان أن محاكمة هؤلاء العشرة تعبر عن استمرار الحملة ضد استقلالية المسلمين في البلاد وعادت لتؤكد بأنها "قد بدأت قبل الحادي عشر من سبتمبر واستمرت بعده".

وبالنسبة للعديد من للجماعات المدنية والمدافعة عن الحريات محلية وأجنبية فإن قضية الثامن من تشرين ثاني تغذي مخاوف بأن يتسبب المأزق الجغرافي السياسي في المنطقة بعد الحادي عشر من سبتمبر في تعزيز قدرة حكومة الرئيس الأوزبكي إسلام كاريموف من إسكات الإنتقادات الموجهة إلى سجل أوزبكستان في مجال حقوق الإنسان. ومنذ أن ازداد حجم العسكري بين الولايات المتحدة وأوزبكستان في تشرين أول الماضي، تغض واشنطن الطرف عن الانتهاكات الأوزبكية لحقوق الإنسان بعد أن كانت من أشد منتقديها.

وفي هذا السياق، كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أعلنت في شباط من هذا العام بأن السجل السيئ للحكومة الأوزبكية في مجال حقوق الإنسان "قد ازداد سوءا"وذلك بسبب سياسة القبضة الحديدية التي تنتهجها حكومة أوزبكستان في مواجهة أشكال التعبير السياسي والديني المستقل، بعد أن تصعدت هذه السياسة ابتداء من العام 1999 في أعقاب سلسلة من التفجيرات في العاصمة طشقند قالت الحكومة بأنها استهدفت حياة الرئيس كاريموف.

وفي وقت لاحق من شهر تشرين أول بدا أن لهجة وزارة الخارجية تجاه أوزبكستان قد خفت وخلا التقرير السنوي الذي تصدره الخارجية عن الحريات الدينية من إشارة إلى أوزبكستان كبلد ذي وضع استثنائي في هذا الصدد.

إلا أن أقارب المحكومين في قضية الثامن من تشرين ثاني مصرين على وصف نظام العدالة الأوزبكي باعتباره جائرا وقاس. وتعرب كومري كاريموفا، والدة سعيدكبارخون مرتزاخودزاييف البالغ من العمر خمسة وعشرين عاما والذي تلقى حكما بالسجن لعشر سنوات، عن تشككها في مجرى عمل القضاء بقولها "كيف يمكن أن تستمر محاكمة عشرة من المتهمين لتسعة أيام فقط" في الوقت الذي تصف فيه ابنها كمؤمن معتدل لا يحمل نوايا للتطرف.

من ناحيتها لا تتفق الحكومة الأوزبكية مع أقارب محكومي 8 تشرين ثاني، فقد قرر القضاء أن مرتزاخودزاييف والذي يعمل في تصميم الأثاث، يقود خلية تابعة لحزب التحرير، وكما هو الحال بالنسبة للمتهمين التسعة الآخرين، فقد كانت التهمة الرئيسية الموجهة إليه هي التورط في نشاطات مخالفة للدستور.

ويروي أقارب مرتزاخودزاييف قصة اعتقاله انطلاقا من ما حصل في يوم الثلاثين من أيار، وهو اليوم الذي اقتيد فيه إلى السجن، حيث حضر رجلان إلى المنزل الذي يقطنه في شارع خلفي تحفه الأشجار وقدما أنفسهما على أنهما عمر محمداييف و صديق أوريبوف، بحسب ما ترويه والدته. وللوهلة الأولى اعتقد أفراد عائلته بأن هؤلاء هم زبائن قدموا لشراء بعض الأثاث حيث لا يتذكر أي من أفراد العائلة رؤية الرجلين من قبل.

وعوضا عن نقاش أمور الأثاث، انخرط الرجال الثلاثة -من ضمنهم المحكوم مرتزاخودزاييف- في نقاش حول الإسلام وتبادلوا كتبا ومنشورات لحزب التحرير بعد انسحابهم إلى غرفة جلوس بالمنزل. وبحلول وقت الغداء خفت النقاش و غط أحد الرجال في نومه إلى أن أعلنت الساعة عن حلول الواحدة والنصف ظهرا عندما سمع طرق على الباب اتضح لاحقا أن مصدره كان رجال الشرطة الذين اقتحموا المنزل واعتقلوا الرجال الثلاثة على الفور بعد عثورهم على منشورات حزب التحرير الممنوعة.

أما نحامي الدفاع عن المحكوم مرتزاخودزاييف فيقول بأن الرجال الثلاثة "ليسوا مجرمين عاديين" بل لقد تم الحكم عليهم للتفكير بالجانب الخطأ".

وبحسب مصادر المنظمة المستقلة لحقوق الإنسان في أوزبكستان، فقد اعتقلت الحكومة ما يزيد عن سبعة آلاف شخص بسبب عدم توافق آرائهم مع آراء الحكم في البلاد، كما أن القانون الأوزبكي ينص على أن من يختار الصلاة فإن عليه أدائها في المساجد المصرح بها من قبل الدولة كما لا يسمح بتبادل الكراريس الدينية تحت عدة ظروف وشروط. وفي نفس السياق فإن حرية الانضمام إلى التجمعات تخضع لرقابة مشددة و لا يسمح للمجموعات التي لم ترخصها الدولة بالاجتماع.

وفي معرض التعليق على مجرى التحقيق والأدلة التي يبرزها ممثلو الإدعاء، يقول ناشطون في حقوق الإنسان أن هؤلاء يلجئون في حال عجزهم عن جمع الأدلة الدامغة، إلى ابراز أبسط أوجه الإخلاص الديني كدليل إدانة، من مثل المكان الذي يختار الشخص الصلاة فيه وماذا يقرأ ومن يخالط. ويدفع ذلك والدة المحكوم روحيموف إلى القول بأن ذنب ولدها هو أنه "يقرأ القرآن فقط" وعادت لتؤكد بعد أن انتظرت أربع ساعات لسماع النطق بالحكم على ابنها بأنه "رجل طيب وليس صحيحا ما يقولونه عنه من أنه إرهابي".

وقد اعترف معظم المحكوم عليه بالانتماء لحزب التحرير أثناء المحاكمة، والبعض منهم لسنوات عديدة في الحزب والتمسوا الصفح. وبحسب ممثلة منظمة مراقبة حقوق الإنسان في أوزبكستان، فقد أجمع المحكومين على أنهم ليسوا ضد الدستور أو النظام وأن كل ما يريدونه فقط هو الصلاة والسير في طريق الله وأنهم يريدون أن يكونوا قادرين على حمل آرائهم الخاصة فيما يخص سلوك الناس الأخلاقي في العالم.

وقد ذكر بعض المتهمون في مرافعاتهم النهائية انهم قد أرغموا على الاعتراف بالجرائم المنسوبة إليهم ويؤكد أحدهم على أنهم قد تعرضوا " للضرب والتعذيب والتهديد والإساءة الجسدية حين تم اعتقالهم". إلا أن نيظوم رستاموف القاضي الذي ترأس جلسة الحكم على هؤلاء رفض السماح للمتهمين في الاستمرار بالحديث عن ظروف الاعتقال وخاطبهم قائلا "إذا كنتم تقولون بأنكم تعرضتم للضرب، فاكتبوا إفادة بهذا الشأن، ولكنني لن أسمح لكم الاستمرار بالحديث".

ويصف أحد الناشطين المحليين القاضي المذكور بأنه "يتمتع بسمعة باعتباره جائرا" وتقول عنه ممثلة منظمة مراقبة حقوق الإنسان بأنه كان قد أصدر في وقت سابق حكما بالإعدام على أحد الأشخاص لاقتنائه "سمادا زراعيا" حيث يقطن وفي الوقت الذي يعتبر فيه القاضي رستاموف أن السماد قد يستخدم كأحد مكونات صنع المتفجرات.