وزير العدل السابق في جورجيا يكشف صلات الرئيس شيفارنادزة بـ "بارون" إعلامي ويحذر من تفاقم تهريب المخدرات عبر البلاد


سؤال وجواب مع ميخائيل سكشفيلي
10/1/2002


برز ميخائيل سكشفيلي كقائد إصلاحي في جورجيا بعد أن استقال من وظيفته كوزير للعدل في أيلول من العام الماضي. وجاءت استقالته احتجاجا على تباطؤ إدارة الرئيس إدوارد شيفرنادزة في تنفيذ سياسة مكافحة الفساد. وبعد ذلك وفي شهر تشرين أول من ذات العام فاز بمقعد في البرلمان الجورجي في انتخابات تكميلية ومنذ ذلك الحين دأب على تعزيز قاعدة قوته.

ويعتبره بعض المراقبون مرشحا قويا لخلافة الرئيس شيفرنادزة في رئاسة جورجيا. وكان جيفري سيلفرمان وهو صحفي مقيم في تبليسي- العاصمة الجورجية- قد التقاه وناقش معه قضايا السياسة الجورجية وخلال اللقاء أبدى سكشفيلي مخاوفه من تعاظم تهريب المخدرات عبر جورجيا وتطورها إلى مشكلة خطيرة.

وفيما يلي الأسئلة والأجوبة التي تمت خلال اللقاء.

سيلفرمان: يبدو أن ميولك الغربية تثير الكثير من الجدل وبعضه يذهب إلى حد وصفك بـ "الدمية" بيد الغرب !

سكشفيلي: إن حديثا من ذلك النوع ليس في الواقع عن الميول إنما بتعلق بالقيم الإنسانية من مثل الحريات والتسامح وضمان حقوق الإنسان. ويبدو أن القضية الرئيسية هنا هي التثقيف بماهية هذه القيم وإنشاء أرضية لتعاون طويل المدى مع الدول الغربية التي أبدت دعمها فيما يخص المساعدات الإنسانية. وسيحين الوقت قريبا حين تبدأ دول الغرب بممارسة ضغوطها على جورجيا لتسير على الطريق القويم مع الزيادة الملحوظة في مستوى الجريمة المنظمة في البلاد وعمليات غسيل الأموال وتعاظم تجارة المخدرات. وقد لا تصدر ردة الفعل الكافية عن دول الغرب قريبا في سياق التصدي لهذه المشكلة إلا أن هناك ما ينبغي عمله قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.

والحال كذلك فإن نخبنا السياسية تتحدث كذلك عن ميولها الغربية ومن ضمنها شيفرنادزة . ومع ذلك ينهار التواصل حالما يطلب من القيادة أن تتم معاملة الجميع على حد السواء أمام القانون فيما يتعلق بالفرص الاقتصادية التي يجب أن تتاح لجميع الجورجيين، حيث أن العدالة والقيم الأساسية على غاية الأهمية لتحقيق الديمقراطية وللإيفاء بما يتطلبه المجتمع المدني. وفي هذا السياق يسعى العديد من الجورجيين لربط القيم التي أمثلها أنا بالإضافة إلى ميولي الغربية كحجة للدفاع عن ممارساتهم ضيقة الأفق والتي غالبا ما تكون غير قانونية. ومن الممكن جدا أن تسمع مقولات من مثل "أن البيوت الضخمة هي جزء من الثقافة الجورجية" و"الجورجيين لديهم ثقافتهم الخاصة وليسوا بحاجة للبحث عن غيرها في أمكنة أخرى"في حين استمر شيفرنادزة في الشهور الأخيرة على تكرار أن بناء البيوت الضخمة والمكلفة هو جزء من العقلية الجورجية مما يعطي تبريرا ثقافيا كافيا لهؤلاء في هذا السياق.

سيلفرمان: هل ما زال الغرب مقتنعا بشيفارنادزة؟

سكشفيلي: ان الغرب ما زال مهتما ومقتنعا بما يمكن أن يفضي إلى حالة من الاستقرار السياسي في البلاد، وعلى هذا فإن الشيء الوحيد الذي لا يود الغرب رؤيته هو حالة من الفوضى وتوصلهم إلى رؤية جهودهم تضيع هباء. وعند أخذ ذلك بعين الاعتبار فمن الواضح أن شيفرنادزة قادر على التلاعب بالموقف بما يجسد مصلحته متذرعا بأنه ما زال مقبولا من قبل الجميع بما فيهم دول الغرب وروسيا وأنه في حال استقال ستنشب حالة من الفوضى وستتم خسارة كل شيء.

سيلفرمان: ماذا بخصوص كاخاتارغمادزة وزير الداخلية السابق والذي أجبر على الاستقالة من الحكومة خلال التظاهرات الشعبية أوائل شهر تشرين ثاني الماضي، هل ما زال يمثل أي أهمية سياسية؟

سكشفيلي: إن كاخاتارغمادزة يمتلك أموالا طائلة ويتمتع بنفوذ واسع ضمن العديد من مؤسسات الدولة المعنية بتطبيق القانون ومنها الأجهزة الأمنية. ولإحباط مثل هذه الصلات فإن كثيرا من الوقت سيلزم وربما سيلزم أكثر من ذلك بمحاكمته وأعوانه وربما لن يحدث ذلك أبدا. وتجدر الإشارة إلا أن جزءا كبيرا من الأموال التي بحوزته جاءت من وراء تجارته غير القانونية في استيراد السجائر، إلى جانب موقعه البارز في حصة رئيسية من الأسهم في شركة الداغي للتأمين حيث يمتلك 60بالمائة من أسهمها وهي الشركة الأكبر في جورجيا. وترتبط تعاملات هذه الشركة المالية مع العديد من شركات ما وراء البحار وكان ديفيد غانكريليدز المدير العام الأسبق لشركة الغادي مجرد واجهة فيها ولم تتعدى نسبة الأسهم التي يمتلكها ثمانية إلى تسعة بالمائة.

سيلفرمان: هل من الصحيح أن كاخاتارغمادزة كان ينوي اعتقالك جنبا إلى جنب مع زوراب جافنيا الرئيس السابق للبرلمان وحزب اتحاد المواطنين بتهمة الانقلاب على الحكومة؟.

سكشفيلي: إن ذلك لم يتحقق له بسبب التظاهرات الطلابية في قضية القناة الثانية في تلفزيون روستافي وعدم تعاون ديفيد تفيزادز وزير الدفاع معه. ويبدو أن العديد من الناس على علم بذلك لكن القليل منهم يود الحديث صراحة عن تلك الخطط التي انهارت بسبب قصور في تنظيم شؤون اللحظة الأخيرة وقد لا يكون وزير الدفاع ناصعا إلى هذه الدرجة إلا أنه بشكل مبدئي رجل صادق وغير مخادع ويكن له الجورجيون الكثير من الامتنان.

ويبدو أن السؤال الأهم يتلخص في ما الذي يفعله كاخاتارغمادزة وهو لم يعد في الحكومة ومن الواضح أن أناسا مثله ما زالوا يسعون إلى قصب السبق لكن من دون إثارة امتعاظ دولي وهم على نقطة التقاء مع أولئك الذين لا يرون بأنفسهم مكانا في التحول الديمقراطي حين تتم إزاحة شيفرنادزة نهائيا.

سيلفرمان: ما هو برأيكم الدور الذي تلعبه جورجيا في تهريب المخدرات؟

سكشفيلي: إن مصدر هذه المخدرات يبدأ من أفغانستان متركزا في المنطقة التي سيطر عليها تحالف الشمال قبل الحرب على طالبان. وقد لا تود الولايات المتحدة وحلفاءها سماع ذلك إلا أننا نتوقع أن يتسع حجم الاتجار بها في جورجيا مع هزيمة قوات الطالبان وفي الواقع أن أوزبكستان وطاجكستان تحكما بالصادرات لسيطرتهما على عدد من النقاط الحدودية مثل طشقند وأوش وطرق حدودية أخرى في وسط آسيا. كما أن المسؤولين عن تنفيذ القانون والاتفاقات الدولية لمكافحة تجارة المخدرات متورطون بشكل مباشر في الانتفاع من مبالغ طائلة تردهم لإبقاء الأمور على حالها.

ويظهر أن الوضع الاقتصادي والسياسي الراهن في جورجيا يخلق جوا مثاليا لتعاظم تجارة المخدرات من دون قيود. لقد نشأ وضع مثالي بمثل هذه التجارة فيما يخص المناطق التي لا تخضع للسيطرة وأيضا بسبب موقعنا الاستراتيجي حيث لدينا منافذ مباشرة للموانئ البحرية والتي بدورها مفتوحة باتجاه دول الغرب. ومن الخطأ أن ينصب اهتمام الغرب الرئيسي على قضايا كبرى فيما تحتل قضية المخدرات موقعا ثانويا بالنسبة لهم.

سيلفرمان: من أين تحصل على المعلومات عن صفقات المخدرات وما هي مصادرك وهل تستطيع إسناد ادعاءاتك بمصادر؟

سكشفيلي: لدي العديد من المصادر إلا أنني لا أستطيع كشف أي منها بشكل مباشر. إن حياة الإنسان تكاد لا تعني شيئا في جورجيا فإذا قمت بتسمية شخص ما فإنه سيقتل على الفور أو حتى الأسوأ من ذلك سيتم التعرض لأفراد عائلتي. ويحصل لدينا العديد من الأشياء فمثلا فمن الغباء الادعاء بأن الرهينتين الإسبانيتين بعد عملية مشتركة قامت بها السلطات الجورجية كما نشرت الصحافة وفي حقيقة الأمر تم دفع مبلغ فدية طائل وبعدها تم ترك الرهينتين على جانب الطريق.

سيلفرمان: كيف ترى حرية الصحافة في جورجيا؟

سكشفيلي: بالمقارنة مع روسيا وأوكرانيا فإن الصحافة لدينا حرة نسبيا وما زال هناك مجال للتنفس إلا أن السؤال الأبرز هو إلى متى سيستمر ذلك. فهناك العديد من القوى ترى بضرورة تدمير حرية الصحافة وبالنسبة لها فكلما كان ذلك عاجلا كان أفضل. وتشكل أحداث قضية القناة الثانية في تلفزيون روستافي ومحاولات إغلاق المحطة من قبل الأجهزة الأمنية إثباتا على أن حرية التعبير هي قضية هامة بالنسبة للجورجيين وعلى الأخص الجيل الأصغر الذي هو على استعداد للدفاع عنها. وفي الوقت الذي تعتبر فيه جورجيا آخر الدول المستقلة التي تتمتع بحرية الصحافة فيها فإن وجود شرائح مدنية وعلى الأقل بعض السياسيين الصادقين الذين لم يطالهم الفساد فإن الأمل بالحريات ما زال موجودا. إلا أننا ما زلنا نسير في ذات الطريق التي سارت عليها كل من روسيا وأوكرانيا حيث تمكنت الأرستقراطيات من شق طريق لمصالحها واستحوذت على البنى السياسية واحتكرت وسائل الإعلام وحاولت حتى أن تبتدع لنفسها وجها غير ربحيا وغير حكوميا. وفي أوضاع من هذا النوع فإنني أعتقد بأن دعم صحافة حرة ومستقلة هو أمر في غاية الأهمية بالإضافة إلى دعم المؤسسات غير الحكومية المستقلة.

سيلفرمان: هل لك أن تعلق على صفقات مزعومة بين شيفرنادزة وبدري باتاركاتسشفلي وهو رجل أعمال نسب إليه التورط في أعمال الجريمة المنظمة ونقل بأنه يحاول شراء وسائل إعلامية في جورجيا بالتعاون مع قطب المال الروسي بوريس بيرزوفسكي.

سكشفيلي: إن ارتباطات من هذا النوع لا تتخذ طابعا اقتصاديا بل تستند إلى صبغة سياسية حيث يحتاج شيفرنادزة إلى أي شخص يستطيع مساعدته في الحفاظ على سيطرته السياسية المطلقة.

ويظهر جليا أن مجموعة من السياسيين بصدد ليس فقط احتكار الاقتصاد بل بودهم السيطرة على البنى السياسية في نفس الوقت.

وفي سعيهم هذا فإنهم يدعون إلى إزاحة شيفرنادزة إلا أنهم حقيقة يبحثون عن نموذج آخر من نماذج آسيا الوسطى في سعيهم إلى قصب السبق. وعلى الناحية الأخرى فإن شيفرنادزة لا يرغب في الاستسلام وما زال يصارع للإبقاء على قبضته السياسية للحظة الأخيرة. وفي تلك الأثناء أصدرت السلطات الروسية مذكرة اعتقال بحق القطب الإعلامي الجورجي التي تربطه هذه السلطات بتسهيل هرب مسؤول في خطوطها الجوية بعد أن واجه تهما وتحقيقا بالفساد.
سيلفرمان: هل يمكن لك أن تخبرنا بالمزيد عن باتاركاتسشفلي؟

سكشفيلي: في الوقت الذي يعتبر فيه الرجل شريكا لبوريس بيرزوفسكي فإن لديه اهتماته السياسية والمالية الخاصة والتي توافق قناعته باعتبار الإعلام وسيلة مفيدة لأعماله. وأنا لا أعتبره بذاته خطرا إلا أن ما هو أخطر هو إمكانية لجوء جماعات أخرى لربط نفسها بهذا "البارون" الإعلامي. ومن ضمن هذه المجموعات مجموعة فانو شكاردشفيلي وزير التجارة والاقتصاد السابق بالإضافة إلى كاخاتارغمادزة وزير الداخلية المطاح به والحركة الجديدة للحقوق والتي تمثل تقاطعا في مصالح ناشئة وتشمل ليفان غاشيشيلاتس وديفيد غامكريليدز وآخرون. وهؤلاء جميعا يعملون على الإستيلاء واحتكار وسائل الإعلام ومن ضمنها صحيفة ناطقة بالإنجليزية في سياق إنشاء إمبراطورية إعلامية ومالية في الوقت نفسه.

وفي الحقيقة فقد أثبت هؤلاء نجاحا وقدرة على تحقيق أهدافهم. فقد حاولوا السيطرة على كل موجات بث الراديو وتسببوا بإيقاع ضغط هائل على محطة التلفزيون المستقلة روستافي. وفي حين أن هؤلاء قد بدأوا بالصحافة المكتوبة وقفزوا منها للإعلام المرئي والمسموع، فستشهد بداية هذا العام إنطلاقة القناة التلفزيونية الجديدة "تلفزيون إنيدي" والتي يملكها باتاركاتسشفلي والتي ستمتلك قدرة جيدة على البث مغطية 90 بالمائة من الجمهور الجورجي وضامنة لنفسها الوصول إلى الجمهور. وعلى أي حال فإن علينا أن ننتظر لنرى ما هي المواقف التي ستتخذها هذه المحطة.

تنويه: ظهرت نسخة مطولة من هذه المقابلة في صحيفة جورجيا تايمز التي يحررها جيفري سيلفرمان.

Eurasianet.org جميع الحقوق محفوظة لشبكة أوراسيا ©